شمس الدين السخاوي

162

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

ملأتُ يديَّ من الدُّنيا مراراً . . . فما طَمِعَ العَواذِلُ في اقتصادي ولا وجبَتْ عليّ زكاةُ مالٍ . . . وهل تجبُ الزكاةُ على جوادِ بذرتُ المالَ في أرض العطايا . . . فأصبحَتِ المكارمُ من حصادي ولو نلتُ الذي يهواه قلبي . . . لوسّعتُ المعاشَ على العباد ويُستأنَس لما أشرت إليه بكون مال المرء النافع في الحقيقة هو الذي يقدمه بين يديه ( 1 ) ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - وقد سأل أصحابَه : « أيكم مال وارثِه أحبّ إليه من ماله ؟ » . قالوا : يا رسولَ الله ! ما منا أحدٌ إلا ومالُه أحب إليه من مال وارثه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « اعلموا ما تقولون » . قالوا : ما نعلم إلا ذاك يا رسولَ الله ، قال : « ما منكم رجلٌ إلا مالُ وارثه أحبُّ إليه من ماله » . قالوا : كيف يا رسولَ الله ؟ ، قال : « إنما مالُ أحدكم ما قدّم ، ومال وارثه ما أخّر » ( 2 ) . ونحوه قوله - صلى الله عليه وسلم - لبعض أصحابه : « أمالُك أحب إليك أم مال مواليك ؟ » ،

--> ( 1 ) لا يكون ذلك إلا بترويض النفس ، والاستشعار أن الصدقة لا تُنقص المال ، بل تزكّيه وتنمّيه . أخرج مسلم ( رقم 2588 ) عن أبي هريرة رفعه : « ما نقصت صدقة من مال » . واعلم أن من جبلّة الإنسان الشح بالمال ، فأراد الشرع أن يقلع ذلك بمثل هذه القناعة ، ولذا كان بعض السلف يعطي السُّؤال ويقول لهم : « مرحباً بمن يوفّر مالنا لدارنا » نقله القرافي في « الذخيرة » ( 3 / 5 ) . وأخرج ابن خزيمة ( 2457 ) ، وأبو عبيد ( 904 ) ، وابن زنجويه ( 1331 ) ؛ كلاهما في « الأموال » ، والبزار ( 943 - زوائده ) ، وأحمد ( 5 / 350 ) ، والطبراني في « الأوسط » ( 1038 ) ، والحاكم ( 1 / 417 ) ، والبيهقي في « السنن الكبرى » ( 4 / 187 ) ، و « الشعب » ( 3474 ) من حديث بريدة مرفوعاً : « ما يُخرج رجل صدقته حتى يفُكَّ بها لحيَيْ سبعين شيطاناً » . وإسناده صحيح . وانظر : « السلسلة الصحيحة » ( 1268 ) . وورد في الباب موقوفاً على أبي ذر ، أخرجه ابن أبي شيبة ( 3 / 111 ) ، وابن المبارك في « الزهد » ( 649 ) ، وابن زنجويه ( 1332 ) ، والبيهقي في « الشعب » ( 3475 ) ، والراوي له عنه راشد بن الحارث مجهول ، فالإسناد ضعيف . وانظر : « فيض القدير » ( 5 / 642 ، 644 - ط . دار الكتب العلمية ) . ( 2 ) أخرجه بنحوه أحمد ( 1 / 382 ) ، والبخاري ( 6442 ) - مختصراً ، وفي « الأدب المفرد » ( 153 ) ، والنسائي ( 6 / 273 ) ، وأبو يعلى ( 5163 ) ، والشاشي ( 836 ) ، وابن حبان ( 3330 ) ، وأبو نعيم في « الحلية » ( 4 / 128 ) ، والبيهقي ( 3 / 368 ) ، والبغوي ( 4057 ) من حديث ابن مسعود .